اليتيم … إعادة التأطير المعرفي
في جلسة خاصة، لم تكن على جدول أعمالي، تعلّمت درسًا لم ألتقطه من مئات الكتب التي قرأتها، ولا من الدورات التي حضرتها، ولا حتى من سنوات الدراسة الأكاديمية الطويلة التي ختمتها بدرجة الماجستير، ولا من العلماء الذين تشرفت بالجلوس بين أيديهم.
كان الدرس… من يتيم.
ليس يتيمًا بالمعنى التقليدي الذي نستحضر فيه الشفقة، بل إنسانًا مجهول الأبوين، يحمل قصة قد يراها كثيرون عنوانًا للألم، لكنه رآها هو زاوية أخرى من النعمة.
قال بهدوء:
"كنت أرفض واقعي… أرفض أن أكون إنسانًا بلا أب ولا أم. لكن مع الوقت أدركت أن الله منحني نعمة لا ينتبه لها كثيرون."
توقفت عند هذه الجملة.
أي نعمة يمكن أن تُستخرج من هذا الفقد؟
ثم أكمل:
"أنا لا يوجد في حياتي أب أو أم سأُسأل عن برّهما… لا أخشى أن أقصّر في حقهما، ولا أن أؤذيهما بكلمة أو تقصير… هذه مسؤولية عظيمة نجا منها غيري، وأنا نجوت منها."
هنا، لم يعد الحديث عن يتم… بل عن زاوية رؤية.
زاوية الرؤية… التي تغيّر كل شيء
نحن غالبًا نقيس النعم بما نملك، ونقيس الألم بما نفتقد.
لكن هذا اليتيم قلب المعادلة: نظر إلى ما فُقد… فرأى ما رُفع عنه من تكاليف ومسؤوليات.
وهنا يتجلّى معنى قول الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ – سورة الشرح
ليست آية للتخفيف فقط، بل قانون إلهي ثابت:
لا يأتي العسر منفردًا، بل يصاحبه—وفي داخله—أشكال من اليسر قد لا تُرى لأول وهلة.
هذا اليتيم لم يُنكر الألم، لكنه لم يتوقف عنده.
بحث عن "اليسر" الكامن داخله… فوجده.
بين الفقد والتكليف
في عالمنا، كثير من الناس ينهارون تحت ثقل المسؤوليات:
- برّ الوالدين
- صلة الأرحام
- الواجبات الاجتماعية
- الالتزامات الأخلاقية
وكلها—رغم عظمتها—تُعد ابتلاءً واختبارًا.
وقد قال النبي ﷺ:
"رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة" – رواه مسلم
أي أن وجود الوالدين ليس فقط نعمة… بل مسؤولية ثقيلة أيضًا.
ذلك اليتيم رأى ما لا نراه:
رأى أن بعض ما نحمله من تكاليف، هو ابتلاء بحد ذاته…
وأنه قد رُفع عنه جانب منه، وإن كان قد ابتُلي في جانب آخر.
هل كل فقدٍ… خسارة؟
تشير دراسات في علم النفس الإيجابي إلى أن ما يُعرف بـ "إعادة التأطير المعرفي" (Cognitive Reframing) يساعد الإنسان على تحويل نظرته للأحداث الصعبة، مما يقلل من التوتر ويزيد من القدرة على التكيّف.
وفي تقرير لـ American Psychological Association، فإن الأشخاص الذين يعيدون تفسير تجاربهم السلبية بطريقة إيجابية يكونون أكثر قدرة على الصمود النفسي بنسبة ملحوظة.
ما فعله ذلك اليتيم لم يكن مجرد "تفكير إيجابي سطحي"،
بل كان إعادة بناء كاملة لمعنى تجربته.
الدرس الأعمق: نحن لا نرى الصورة كاملة
نحن نتحسّر على ما ينقصنا،
ونغفل عن جوانب أخرى في حياتنا هي—بالنسبة لغيرنا—أحلام بعيدة.
قد تفتقد شيئًا…
لكن في المقابل، هناك ما أُعطي لك ولم يُعطَ لغيرك.
وهنا يتجلّى قول الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ – سورة البقرة
ليست مجرد دعوة للصبر…
بل دعوة لإعادة النظر.
إسقاط الدرس على حياتنا
ما تعلّمته من ذلك اليتيم لم يكن عن اليتم…
بل عن الحياة كلها.
- في العمل: قد ترى أن فرصة ضاعت منك… لكنها ربما حمتك من مسار أسوأ.
- في العلاقات: قد تظن أن خسارة شخص هي نهاية… لكنها قد تكون بداية لنضجك.
- في الرزق: قد تقارن نفسك بغيرك… وتنسى ما تملكه من استقرار أو صحة أو وقت.
الفرق ليس في الواقع…
بل في الزاوية التي تنظر منها إليه.
الخلاصة: درس اليتيم
ذلك اليتيم لم يُعلّمني أن أتجاهل الألم…
بل علّمني أن لا أختزله في نصف الصورة.
علّمني أن:
- كل نقص يحمل في داخله نوعًا من الزيادة
- وكل ابتلاء يخفي معه تخفيفًا ما
- وأن العدل الإلهي لا يُقاس بما نراه… بل بما نؤمن به
قال أحد الحكماء:
"ليست النعمة أن تملك كل شيء… بل أن ترى الخير فيما لديك."
هذا هو الدرس…
درس اليتيم:
أن ترى ما لا يراه الآخرون،
وأن تدرك أن رحمة الله لا تأتي دائمًا في الصورة التي نتوقعها.
تعليقات
إرسال تعليق