سوبرمان الزمان وكل زمان

سردية “البطل المخلّص”: تفكيك فكرة المهدي المنتظر بين التاريخ والنقد الحديث

عبر التاريخ الإنساني، تكررت فكرة “البطل المنقذ”؛ شخصية تظهر في لحظة انهيار، لتعيد التوازن إلى العالم وتملأه عدلًا بعد أن امتلأ ظلمًا. هذه الصورة ليست حكرًا على دين أو ثقافة بعينها، بل نجدها بصيغ مختلفة في الموروثات الدينية والأسطورية: من “المخلّص” في بعض التصورات الدينية، إلى “البطل الخارق” في المخيال الحديث.

وفي السياق الإسلامي، أخذت هذه الفكرة شكل “المهدي المنتظر”، وهو شخصية يُعتقد أنها ستظهر في آخر الزمان لتقيم العدل. لكن عند الانتقال من مستوى الإيمان الشعبي إلى مستوى التحقيق العلمي التاريخي، تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور: ما مدى ثبوت هذه الفكرة؟ وهل هي نص ديني قطعي أم بناء تراكمي تشكّل عبر الزمن؟

ابن خلدون: تفكيك الروايات من داخل علم الحديث

من أوائل من تناولوا هذه المسألة بنظرة نقدية صارمة كان المؤرخ والعالم عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة. لم ينكر ابن خلدون وجود روايات تتحدث عن المهدي، لكنه قام بما يشبه “التشريح العلمي” لها من جهة الإسناد والمتن.

خلص ابن خلدون إلى أن كثيرًا من الأحاديث الواردة في هذا الباب لا تخلو من ضعف في السند أو اضطراب في النقل، وأنها لم تبلغ درجة القطع الذي يُبنى عليه اعتقاد جازم في شخصية محددة غيبية بهذا الحجم. وهو بذلك لم يهاجم الفكرة من باب الإيمان، بل من باب منهج المحدثين أنفسهم في نقد الرواية.

يمكن تلخيص موقفه بأنه: وجود روايات لا يعني بالضرورة ثبوت عقيدة تفصيلية بهذا الشكل.

الدكتور بشار عواد معروف ومنهج التحقيق الحديث

في الدراسات الحديثية المعاصرة، برزت جهود عدد من المحققين في إعادة فحص الأحاديث النبوية بمنهج نقدي دقيق، ومنهم الدكتور بشار عواد معروف، أحد أبرز المحققين في علم الحديث والكتب التراثية.

من خلال عمله في تحقيق النصوص الحديثية، يُفهم من منهجه العام التركيز على التمحيص الشديد للأسانيد، والتمييز بين ما ثبت وما لم يثبت. وفي هذا السياق، يتعامل الباحثون المعاصرون مع أحاديث المهدي كما يتعاملون مع غيرها: ليست كل الروايات على درجة واحدة، بل فيها الصحيح والضعيف والموضوع.

هذا لا يعني نفي الفكرة كليًا عند كل العلماء، لكنه يفتح الباب أمام قراءة أكثر حذرًا، ترى أن “بناء العقائد التفصيلية الكبرى” يحتاج إلى نصوص قطعية لا إلى تراكم روايات متفاوتة القوة.

الفكرة كظاهرة إنسانية

إذا خرجنا من دائرة النصوص إلى دائرة علم الاجتماع الديني، نلاحظ أن فكرة “المنقذ النهائي” تتكرر في لحظات الأزمات الكبرى. كلما ازداد الإحساس بالاضطراب والظلم، ازداد الميل إلى تصور شخصية قادمة “تحل كل شيء”.

هنا تصبح فكرة المهدي، في بعض قراءاتها، أقرب إلى نمط إنساني متكرر: حاجة نفسية-اجتماعية إلى الأمل في تدخل خارق ينهي التعقيد التاريخي.

وهذا ما يجعل بعض المفكرين المعاصرين ينظرون إليها باعتبارها “سردية أمل” أكثر من كونها حقيقة تاريخية قابلة للإثبات أو النفي القاطع.

الخلاصة النقدية

عند جمع المسارين — النقد الحديث عند ابن خلدون، ومنهج التحقيق الحديث عند علماء الحديث المعاصرين — يظهر لنا إطار عام:

  • الروايات موجودة ومتعددة.
  • لكن درجات ثبوتها متفاوتة.
  • ولا يوجد إجماع علمي قطعي على تفاصيلها بالشكل الشعبي الشائع.
  • كما أن الفكرة نفسها تحمل بعدًا إنسانيًا متكررًا في ثقافات متعددة.

وبين الإيمان الشعبي، والتحقيق العلمي، تبقى المسافة مفتوحة للتفكير: هل نحن أمام حقيقة غيبية ثابتة؟ أم أمام تراكم تاريخي لفكرة “المخلّص” التي رافقت الإنسان في بحثه عن العدل المفقود؟

تعليقات